أبو الوفاء بن عمر الحلبي العرضي
147
معادن الذهب في الأعيان المشرفة بهم حلب
مكمل جميع اللوازم ، قضاها لكن لم يتدارك المكاحل بكثرة ، ولا ضرابين للمكاحل ، ولا هي الأمور اللازمة . وكان يقول للعساكر : مفاتيح بغداد في يدي . وسببه أنه بعث إليه ضابط بغداد من جهة الشاه ، وهو قول صفي خان : إنني أسلمك بغداد بمجرد وصولك إليها بشرط أن يعطيني سلطانكم منصبا جليلا . وأنا ما أقدر أسلم بغداد ما لم تحضروا ، فاني أخاف من عسكر الشاه أن يقتلوني . فلما وصل الحافظ بالعسكر العظيم إلى خارج بغداد أرسل جماعة الشاه الطوبات « 1 » وهم يصرخون ويقولون بالتركية : خذ هذه مفاتيح بغداد . فعلم أنه أراد المخادعة والمكر ، حتى لا يتدارك الحافظ مهمات الحصار . « لا تحقرن كيدا ضعيفا ربما ، تموت الأفاعي من سموم العقارب » « 2 » . كلام الليل يمحوه النهار « 3 » . واتخذوا لغومات متعددة ، فما أفادت شيئا سوى لغم واحد / اصطنعه آغة الينكجرية خسرف « 4 » باشا ، الآتية ترجمته ، ففتح جانبا عظيما . ولكن العسكر لم يهجموا كلهم عليه . فان من عادة أكابر العسكر يريدون تدمير بعضهم بعضا . فحينئذ أقدم عساكر بغداد حتى سدوا اللغم . فكان خسرف باشا يبكي وينتف لحيته نفسه من شدة قهره . وكان الشاه نزل بالقرب من بغداد نحو ثلاثة أيام ، حتى يسمع
--> ( 1 ) الطوبات : المدافع ، وكان الواحد يدعى « طوب » من الكلمة « توب » أي الكرة . ( 2 ) بيت للشاعر عمرو الأهتم بتصرف . ( 3 ) الجمل الثلاث السابقة مؤلفة من شطرة رجز فشطرة طويل فشطرة وافر . ومن عادة أدباء العصر العثماني أن ينثروا الشعر ويستخدموه جملا . ( 4 ) أصل الكلمة « خسرو » . ولما كان الفرس يلفظون الواو المحركة مفخمة أشبه بالحرف فقد تحول نطق الاسم إلى « خسرف » . وخسرو معربة إلى كسرى بمعنى الملك . ولي خسرو باشا حلب سنة 938 ثم ولي كفالة مصر سنة 941 ثم انتقل إلى الوزارة . وبعدئذ عزل عن مكانه . وكان أوصى كتخداه فروخ بن عبد المنان أن يبني باسمه مسجدا وتكية . والخسرفية اليوم منسوبة إليه .